أبو علي سينا
392
رسائل ( ط بيدار )
كالفضائل البشرية وكتحريك النفوس الملكية للجواهر العلوية توخيا لاستبقاء الكون والفساد تشبها بذات الخير المطلق وانما تأتى هذه التشبهات لتحوز بها القرب من الخير المطلق ولتستفيد بالتقرب منه الفضيلة والكمال وان ذلك بتوفيقه وهي متصورة لذلك منه وقد قلنا إن مثل هذا عاشق للمتقرب منه فواجب على ما أوضحناه سالفا أن يكون الخير المطلق معشوقا لها أعنى لجملة النفوس المتألهة . وأيضا فان الخير المطلق لا شك أنه سبب لوجود ذوات هذه الجواهر الشريفة ولكمالاتها فيها إذ كمالها انما هو بأن تكون صورا عقلية قائمة بذواتها وانها لن تكون كذلك الا بمعرفته وهي متصورة لهذه المعاني منه وقد قلنا إن مثل هذا عاشق لمثل هذا السبب فبين على ما أوضحناه سابقا أن الخير المطلق معشوق لها أعنى لجملة النفوس المتألّهة وهذا العشق فيها غير مزائل البتة وذلك لأنها لا تخلو من حالتي الكمال والاستعداد وقد أوضحنا ضرورة وجود هذا العشق فيها حالة كمالها . وأما حالة استعدادها فلن توجد الا في النفوس البشرية دون الملكية لفوز الملكية بالكمال ما وجدت وقد وجدت وهي أعنى النفوس البشرية بحالة الاستعداد لها شوق غريزي إلى معرفة المعقولات التي هي كمالها وخاصة ما هو أقيد فيه للكمال عند تصوره وأهدى إلى تصور ما سواه - وهذه صفة المعقول الأول هو علة لكون كل معقول سواه معقولا في النفوس وموجودا في الأعيان ولا محالة أن لها عشقا غريزيا في ذاتها للحق المطلق أولا ولسائر المعقولات ثانيا والا فوجودها على استعدادها الخاص